ابن خلكان

260

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

بسره المكتوم ؛ فاستحسن ذلك منه ، وعلم موضعه من العلم ، وصنف في عنفوان شبابه كتابه الذي سماه « الزهرة » وهو مجموع أدب أتى فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق . واجتمع يوما هو وأبو العباس ابن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح فتناظرا في الإيلاء ، فقال ابن سريج : أنت بقولك « من كثرت لحظاته دامت حسراته » أبصر منك بالكلام في الإيلاء ، فقال له أبو بكر : لئن قلت ذلك فإني أقول : أنزه « 1 » في روض المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه * يصبّ على الصخر الأصم تهدما وينطق طرفي عن مترجم خاطري * فلو لا اختلاسي رده لتكلما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم * فما إن أرى حبا صحيحا مسلما فقال له ابن سريج : وبم تفتخر علي ولو شئت أنا لقلت : ومساهر بالغنج من لحظاته * قد بت أمنعه لذيذ سناته ضنا بحسن حديثه وعتابه * وأكرر اللحظات في وجناته حتى إذا ما الصبح لاح عموده * ولى بخاتم ربه وبراته فقال أبو بكر : يحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل أنه ولى بخاتم ربه ، فقال أبو العباس ابن سريج : يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك : أنزه في روض المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرما فضحك الوزير وقال : لقد جمعتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما . ورأيت في بعض المجاميع هذه الأبيات منسوبة إليه : لكل امرئ ضيف يسر بقربه * وما لي سوى الأحزان والهم من ضيف له مقلة ترمي القلوب بأسهم * أشد من الضرب المدارك بالسيف

--> ( 1 ) الوافي : أكرر .